السيد كمال الحيدري
134
عصمة الانبياء في القرآن مدخل الى النبوة العامه
عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ . فهؤلاء الرسل الذين ارتضاهم واصطفاهم واستخلصهم لنفسه ، بمقدورهم الاطلاع على مكنونات عالم الغيب بتعليم منه ( جلّ وعلا ) . وحينما يقف هؤلاء المقدّسون في ساحة قدسه ( عزّ وجلّ ) وأمام جبروته تعالى ، فإنهم لا يملكون شيئاً من العلم حينئذ ، وهل ثمّة نسبة يمكن أن تقاس بين المتناهى واللامتناهى ؟ ! لكنّهم حينما يكلمون الناس ويتوجّهون إليهم بالتبليغ الإلهى ، فهم يملكون الشئ الكثير بالنسبة إلى غيرهم من الخلق . ولذا قد يتوهّم البعض بأنّ العلم الغيب مختصّ بالله ( سبحانه وتعالى ) ولا يمكن لأي مخلوق أن يدّعى ذلك حتى الأنبياء ( عليهم السلام ) ، متمسكاً بأمثال قوله تعالى : وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ « 1 » ، مع أنّ الجهة هنا تختلف عن الجهة التي يتحدّث عنها قوله تعالى : فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ من حيث الغنى والاستقلال والفقر والاحتياج . المهم في هذه الفقرة من البحث هو معرفة الدليل الذي يثبت أنّ هذا الغيب المعطى للرسل والأنبياء ( عليهم السلام ) ، يبقى محفوظاً إلى أن يصل الناس سالماً . على هذا الأساس نتعامل مع قوله سبحانه : فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ « 2 » . فهذه الآية المباركة تقرّر أن الله ( سبحانه وتعالى ) يتعهّد بحفظ الوحي والرسول الذي يحمله من بين يديه ومن خلفه حتى تصل الرسالة الإلهية إلى الناس سالمة من كل عيب ونقص . ومعنى ) سلك ( في اللغة : جعل ، أما الراصد فهو الحافظ ، أي إنه تعالى جعل حفظة للوحي من حين نزوله على صدر النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتى إبلاغه إلى الناس . على أنّ المهم أن عصمة النبي ( صلى الله عليه وآله ) في المقطعين الأول والثالث من المرحلة الثانية ، يمكن أن تثبت في ضوء الآية المباركة نفسها ، وذلك من خلال تحليل قوله تعالى : مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ . فحينما ينطلق النبي أو الرسول لأداء رسالته مبعوثاً من الله تعالى ، فسوف يكون وجهه نحو الخلق أو نحو الناس المرسل إليهم ، لأنه يتحرك للوصول إليهم ، وأما خلفه فسيكون لله ( سبحانه وتعالى )
--> ( 1 ) الأعراف : 188 . ( 2 ) الجن : 27 .